الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
135
تفسير روح البيان
اى قرى قوم لوط اى أهلها لأنها عطفت على ما قبلها من فرعون ومن قبله يقال افكه عن الشيء اى قلبه وائتفكت البلدة بأهلها اى انقلبت واللّه تعالى قلب قرى قوم لوط عليهم فهي المنقلبات بالخسف وهي خمس قريات صعبه وصعده وعمره ودوما سدوم وهي أعظم القرى ثم هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم للتتميم لان قوم لوط أتوا بفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين بِالْخاطِئَةِ الباء للملابسة والتعدية وهو الأظهر اى بالخطأ أو بالغفلة أو الافعال ذات الخطأ العظيم التي من جملتها تكذيب البعث والقيامة فالخاطئة على الأول مصدر كالعاقبة وعلى الأخيرين صفة لمحذوف والبناء للنسبة على التجريد والأظهر انه من المجاز العقلي كشعر شاعر فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ اى فعصى كل أمة رسولهم حين نهاهم عما كانوا يتعاطونه من القبائح فالرسول هنا بمعنى الجمع لان فعولا وفعيلا يستوى فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجمع فهو من مقابلة الجمع بالجمع المستدعية لانقسام الآحاد على الآماد فالإضافة ليست للعهد بل للجنس فَأَخَذَهُمْ اى اللّه تعالى بالعقوبة اى كل قوم منهم أَخْذَةً رابِيَةً اى زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار أو على القدر المعروف عند الناس لما زادت معاصيهم في القبح على معاصي سائر الكفرة أغرق من كذب نوحا وهم كل أهل الأرض غير من ركب معه في السفينة وحمل مدائن لوط بعد ان نتقها من الأرض على متن الريح بواسطة من امره بذلك من الملائكة ثم قلبها واتبعها الحجارة وخسف بها وغمرها بالماء المنتن الذي ليس في الأرض ما يشبهه وأغرق فرعون وجنوده أيضا في بحر القلزم أو في النيل وهكذا عوقب كل أمة عاصية بحسب أعمالهم القبيحة وجوزيت جزاء وفاقا وفي كل ذلك تخويف لقريش وتحذير لهم عن التكذيب وفيه عبرة موقظة لأولى الألباب يقال ربا الشيء يربو إذا زاد ومنه الربا الشرعي وهو الفضل الذي يأخذه آكل الربا زائدا على ما أعطاه إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ المعهود وقت الطوفان اى جاوز حده المعتاد حتى ارتفع على كل شئ خمسمائة ذراع وقال بعضهم ارتفع على ارفع جبل في الدنيا خمسة عشر ذاعا أوحده في المعاملة مع خزانه من الملائكة بحيث لم يقدروا على ضبطه وذلك الطغيان ومجاوزة الحد بسبب اصرار قوم نوح على فنون الكفر والمعاصي ومبالغتهم في تكذيبه فيما أوحى اليه من الاحكام التي جملتها أحوال القيامة فانتقم اللّه منهم بالاغراق حَمَلْناكُمْ أيها الناس اى حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم فكأنكم محمولون باشخاصكم وفيه تنبيه على المدة في الحمل لان نجاة آبائهم سبب ولادتهم فِي الْجارِيَةِ يعنى في سفينة نوح لان من شانها أن تجرى على الماء والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء إلى انقضاء أيام الطوفان لا مجرد رفعهم إلى السفينة كما يعرب عنه كلمة في فإنها ليست بصلة للحمل بل متعلقة بمحذوف هو حال من مفعوله اى رفعناكم فوق الماء وحفظناكم حال كونكم في السفينة الجارية بأمرنا وحفظنا من غير غرق وخرق وفيه تنبيه على أن مدار نجاتهم محض عصمته تعالى وانما السفينة سبب صوري لِنَجْعَلَها اى لنجعل الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين لَكُمْ تَذْكِرَةً عبرة ودلالة على كمال قدرة الصانع وحكمته وقوة قهره وسعة رحمته